داود بن محمد بناكتى ( فخر البناكتى ) ( تعريب : محمد عبد الكريم علي )
158
تاريخ بناكتى ( روضة اولى الالباب في معرفة التواريخ والانساب )
حكاية : من النعم والألطاف التي سبغها الله تعالى على هارون الرشيد ، فواحدة منها أن كان له وزير آية في الكرم واللطف والخلق والحلم هو وأبناؤه ، وكان ليحيى بن خالد البرمكي أربعة أبناء : فضل ، وجعفر ، ومحمد ، وموسى . فكان الفضل وجعفر وزيران ومحمد وموسى أميران ، وكانت لهم الولايات ، ولم يكن لأي وزير في التاريخ مثل هذا الثراء الذي كان للبرامكة ، وكان سبب غضب الرشيد على البرامكة ، أنه كان يحب جعفر بن يحيى حبا إلى أبعد غاية ، حتى إنه لم يكن يطيق صبرا على فراقه لحظة ، وكان لهارون أخت تسمى العباسة ، وكانت مشغوفة به ، ولم تكن أن تتخلف عن هارون بأي حال ، وكان إذا جلس هارون في الحرم بمجلس طرب لم تتخلف عن خدمته في أي حال ، وكان جعفر يطلبها في الخلوة ، وكان يتحاشى الدخول بسببها ، حتى قال هارون ذات يوم : أعلم سبب امتناع جعفر عن مجلسنا والسبب العباسة والوحشة في مجلسي بسببها ، ولكنني أزوجك إياها بشرط أن لا يكون بينكما سوى الكلام ، وعلى ألا يكون بينكما مزاح ، ولا أي اجتماع قط ، وأقصد هذا السبب ما دمت أنت محرما لها فيمكنك أن تدخل في مجلس الحرم بلا تكلف ولا تحرج . وانعقد بينهما عقد الزواج بعد ذلك ، وجلس جعفر في مجلس أمير المؤمنين بلا كلفة ، وكان يتحدث مع العباسة ولكنه استاء من شئ ، وهو أن الخاتم لم يكن في إصبع من أصابعه ، ومهما كان يصنع الواحد منهم في سمع الآخر حلو الكلام من وعاء الحلوى ، إلا إنهم لم يستطيعوا أن يضعوا رطب الطرب في قدح الفرح ، وكان جعفر وسيما ، وقد وضعت العباسة حرقة عشقه في المقلاة والطاس ، حتى سكر من خمر الهوى ، وأرسلت إليه رسالة تقول فيها : تعال لأجنى من شجرة وصالك ثمرة الروح ، فأنا من شدة العشق مثل التفاحة التي تتألف من شقين ، ولما وصلت هذه الرسالة إلى جعفر أرسل جوابا يقول فيه : شعر من ذا الذي لا يريد أن تكون روحه * ومعشوقته الظاهرة والخفية لقد شئت أن أجعل قلبي شطرين * وأخشى أن تكون وسطه